عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

352

اللباب في علوم الكتاب

وهو شابّ ثم أعمى عنه عيون الإنس والسّباع والطّير ، ثمّ أحياه اللّه بعد المائة ، ونودي من السّماء يا عزير « كَمْ لَبِثْتَ » بعد الموت ، فقال : « يوما » وذلك أن اللّه أماته ضحى في أول النهار ، وأحياه بعد مائة عام آخر النّهار قبل غيبوبة الشّمس ، فلما أبصر من الشّمس بقية قال « أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » فقال اللّه تبارك وتعالى « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ » من التّين ، والعنب « وشرابك » من العصير لم يتغير طعمه ، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما قال : « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرّقت أوصاله ، وسمع صوتا : أيّتها العظام البالية ، إنّي جاعل فيك روحا ، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كلّ عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع ، والذّراع إلى مكانه ، ثم جاء الرأس إلى مكانه ، ثم العصب والعروق ، ثم أنبت طراء اللحم عليه ثم انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد ، ثمّ نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق ، فخرّ عزير ساجدا ، وقال : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » ثم إنّه دخل بيت المقدس . فقال القوم : حدّثنا آباؤنا : أنّ عزير بن شرخيا مات ببابل ، وقد كان بختنصر قد قتل ببيت المقدس أربعين ألفا من قراء التوراة ، وكان فيهم عزير ، والقوم ما عرفوا أنّه يقرأ التوراة ، فلمّا أتاهم بعد مائة عام جدّد لهم التوراة ، وأملاها عليهم عن ظهر قلبه ، فلم يخرم منها حرفا ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاها فما اختلفا في حرف واحد ، فعند ذلك قالوا : عزير ابن اللّه ، وهذه الرواية مشهورة « 1 » . ويروى أنه أرميا - عليه الصّلاة والسّلام - فدلّ على أنّ المارّ كان نبيّا ؛ واختلفوا في تلك القرية : فقال وهب ، وقتادة ، وعكرمة ، والربيع هي : إيلياء ، وهي بيت المقدس « 2 » ، وقال ابن زيد هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت ، وعن ابن زيد أيضا أن القوم الذين خرجوا من ديارهم ، وهم ألوف حذر الموت فقال اللّه لهم : موتوا ، مرّ عليهم رجل ، وهم عظام تلوح فوقف ينظر ؛ فقال : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ » « 3 » . قال ابن عطية : وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية ، إذا الآية إنما تضمّنت قرية خاوية ، لا أنيس فيها ، والإشارة ب « هذه » إنّما هي إلى القرية ، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ، ووجود البناء والسكان . قال القرطبي « 4 » : روي في قصص هذه الآية : أنّ اللّه تعالى بعث لها ملكا من

--> ( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 7 / 28 ) عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 443 ) عن وهب وقتادة وعكرمة والربيع وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 589 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 444 ) . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 189 .